.png)
أقدار الأرزاق.. بين وهم المعايير وحقيقة الهِبات الإلهية
بقلم: عماد ياسين آل شهزي الطائي
من أعجب النزعات البشرية التي نراها تتكرر عبر الزمن، تلك الرغبة العارمة في إسقاط المعايير الأخلاقية والدينية على القوانين والسنن الدنيوية البحتة. إذ يستغرب الكثيرون حين يرون أشخاصاً لا يمتلكون أدنى اعتبار للدين أو الأخلاق يرفلون في ثراء فاحش، بينما يعيش بعض أهل الصلاح والعفاف في ضيق من العيش وكفاف. ومن رحم هذا الاستغراب تنشأ مقارنة غير منطقية، تقوم على تعميم ظالم يفترض أن كل ثري بالضرورة فاسد أو منحل، وأن الفقر حكر على أهل الاستقامة والتقوى!
إن هذه المقارنة تغفل حقيقة جوهرية ساطعة: «أن الأرزاق لا علاقة لها بالتدين أو الانحلال كسبب مباشر وميكانيكي للغنى والفقر».
الأرزاق هِبات كالملامح والصحة
لو تأملنا حقيقة الثراء والفقر، لوجدنا انهما من هِبات الله تعالى التي ينعم بها على عباده لحكمة بالغة، تماماً كباقي الهِبات الإلهية التي نراها في بني البشر؛ كحسن المظهر، أو لون العينين، أو الصحة والقدرة الجسدية، أو الذكاء المفرط، أو القوة البدنية.
وكما أنه لا يحق لأحد أن يحاكم إنساناً أو يزكيه بناءً على لون عينيه أو طول قامته —لأنها مقادير وخِلقة— فكذلك لا يجوز محاكمة الإنسان في دينه وأخلاقه بناءً على رصيده المالي أو سعته في الدنيا. فالمال ليس وسام رضا إلهي، كما أن الفقر ليس علامة هوان أو غضب، بل هما أدوات ابتلاء واختبار لكليهما؛ يُختبر الغني بالشكر والعدل، ويُختبر الفقير بالصبر والسعي.
الثراء "سمة عابرة" وليست قالباً أبدياً
إن المال في حياة الإنسان ليس صفة ذاتية ملازمة ترافقه بالضرورة من الولادة إلى اللحد، بل هو «سمة زمنية» تقبل التغير وتقلبات الأحوال. وتاريخ البشرية مليء بشواهد وصور واقعية تؤكد هذا التحول:
فهناك من ولد ثرياً وعاش مترفاً، ثم افتقر في ختام عمره.
وهناك من كابد في بدايته الفقر والضيق، ثم أثرى، وقبل رحيله عاد فقيراً كما بدأ.
وهناك من نشأ في عوز وشقاء، ولم تفتح له أبواب الثراء إلا في شيخوخته وأواخر أيامه.
وهناك من ولد ثرياً ومات ثرياً، أو عاش فقيراً ومات فقيراً.
إن هذا التبدل يبرهن أن الثراء ليس حالة ثابتة ولا محتكرة، بل هو محطات وتصاريف تقلبها الأيام، فلا يصح اقتطاع لحظة زمنية من عمر الإنسان للحكم على مسار حياته أو استحقاقه الأخلاقي.
بين النزاهة وسلوك الطرق الملتوية
إن من الجهل بمكان فرضية أن جميع الأثرياء قد جمعوا أموالهم من سحتٍ أو طرق غير مشروعة. فنحن نرى في الواقع أثرياء غير ملتزمين دينياً، لكنهم يمتلكون انضباطاً أخلاقياً وعقلياً عالياً، ويلتزمون بشرف التعامل وحفظ العقود والقوانين المدنية؛ فأتتهم الأسباب المادية وسخّروا مهاراتهم في التجارة والابتكار فأتت أكلها.
وبالمقابل، نجد أن السعي والذكاء والتخطيط الاستراتيجي ليست سوى أدوات ترفع من احتمالية النجاح، لكنها ليست قانوناً حتمياً مغلقاً؛ فكم من ذكي ومخطط بارع تعثرت به الظروف وأزمات السوق، وكم من إنسان فاز بضربة حظ أو مصادفة دون سابق تخطيط.
التمايز في الحساب.. بين الابتلاء والاستدراج
ويقع البعض في خلط آخر حين يظنون أن حساب الثراء واحد عند الله لجميع البشر. فالثري المؤمن الذي يقصر في زקוته يُحاسب على تقصيره في حق الله وفي حق الفقراء مع بقاء أصل إيمانه، بينما الثري الملحد المنكر للخالق لا يكون إعطاؤه المال من باب «الابتلاء لبيان إيمانه» —والله علام الغيوب بعاقبة أمره— بل هو استيفاء لسنن سعيه الدنيوي، وإملاء في نعيم عابر لا يغني عنه شيئاً أمام الحساب الأكبر على أصل الكفر والجحود.
فالله تعالى يفي بالعدل المادي لكل سَاعٍ في الدنيا، لكن الموازين الأخروية تُقام على أصل الإيمان والاعتراف بالمنعم سبحانه، لا على مجرد أرقام الأرصدة والسجلات.
خاتمة: دعوة للعدل الفكري والطمأنينة
إن السكينة الحقيقية تبدأ حين يدرك الإنسان أن الأرزاق مقسومة بحكمة خالق رحيم، وأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في جوهره وأخلاقه ونقاء سريرته، لا فيما يملكه من مظاهر وزخرف.
دعوا عنكم المقارنات الظالمة، واعلموا أن الغنى والفقر عوارض تزول، وأن ما يبقى للإنسان بعد رحيله هو أثره الصالح وخُلقه الرفيع.. أما الأرصدة والألقاب، فكلها تترك على أعتاب هذه الدنيا.
تعليقات
إرسال تعليق