رقصة الهَچَع العراقية

رقصة الهَچَع

حين ترقص الحياة لتنتهي بالهُجوع الأخير
ليست كل رقصة وُجدت لتسلية العين وإثارة الفرح، فبعض الرقصات تحمل في حركاتها ذاكرة أمة، وفي إيقاعها حكاية الإنسان، وفي نهايتها سؤالًا عن المصير.
ومن هذا النوع، كما يحفظها الموروث الشعبي العراقي، تأتي رقصة الهَچَع؛ تلك الرقصة التي ظلت تتناقلها الذاكرة الشعبية، وإن تغيرت البيئات التي احتضنتها، حتى غاب عن كثير من الناس معناها الرمزي العميق، وبقيت حركاتها شاهدة على قصة أقدم من صورتها المعاصرة.
لماذا سُمّيت «الهَچَع»؟
لفهم الاسم ينبغي العودة أولًا إلى الكلمة نفسها.
«هجع» كلمة عربية قديمة، ويثبت المعجم العربي أن هجع الرجل: نام، ويدور الجذر أيضًا حول السكون والهدوء. كما أن «الهجعة» هي النومة، و«الهجوع» هو النوم.
وهذا المعنى ما زال حيًا في اللهجة العراقية الشعبية إلى يومنا هذا. فعندما يكثر الطفل حركةً وضجيجًا في وقت القيلولة، يُقال له:
«اهجع»
أي: اسكن، اهدأ، كفّ عن الحركة، وخذ قسطًا من النوم.
ومن هنا تكتسب كلمة «الهچع» في الوعي الشعبي العراقي معنى يتجاوز النوم العابر؛ إنها الانتقال من الحركة إلى السكون، ومن الصخب إلى الهدوء، ومن الحياة المتحركة إلى الاستقرار.
وهنا يظهر مفتاح الرقصة.
فالهَچَع ليست تسمية اعتباطية لرقصة راقصة، وإنما يمكن قراءة الاسم بوصفه إشارة إلى نهايتها: مهما طال رقص الإنسان في مسرح الحياة، فإن نهايته هي الهچع.
لوحة راقصة تحكي قصة الإنسان
تبدأ الرقصة بمجموعة من الفتيات، ثم تنفرد واحدة منهن لتتوسط المجموعة.
هذه الفتاة ليست مجرد راقصة؛ إنها بطلة المشهد، تختزل الإنسان الفرد في مواجهة الحياة.
تكون شابة جميلة، رشيقة، نشطة، ذات شعر طويل وكثيف، مثل بقية الفتيات، ثم تبدأ مع الإيقاع حركتها التعبيرية.
تتعالى أصوات الطبول والدفوف، وتبدأ القفزات والتنطيطات والالتواءات، ويتحرك الجسد في رشاقة وليونة، بينما ينساب الشعر مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، ثم يدور في حركة دائرية متناسقة مع الإيقاع.
والشعر هنا ليس مجرد زينة.
إنه جزء من لغة الرقصة.
إنه يرسم في الهواء مسارات الإنسان، واندفاعاته، وتقلباته، وتوجهاته في الحياة.
فالإنسان لا يسير في اتجاه واحد؛ يذهب شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، يبحث عن الحب والمال والقوة والمكانة والأمان، ويطارد أحلامه في كل اتجاه.
الخنجر... حين تنقلب أدوات الحياة على صاحبها
ثم يظهر الخنجر.
تحمل البطلة خنجرين، واحدًا في كل يد، وتواصل الحركة بهما في رقص متناسق.
وهنا يمكن قراءة الخنجر بوصفه رمزًا للصراع الإنساني: الحرب، القوة، النفوذ، الدفاع، الصدام، والغلبة.
فالإنسان لم يعش حياته في سلام دائم؛ منذ أن عرف الأرض والملك والثروة والنفوذ، عرف معه الصراع.
وهكذا تجمع الرقصة في جسد امرأة واحدة مظاهر كثيرة من حياة الإنسان:
الجمال، القوة، الحب، الطموح، المال، الحرب، النفوذ، الحركة، والصراع.
ولكن الرقصة لا تنتهي بانتصار الإنسان.
بل تبدأ الحقيقة في الظهور في لحظاتها الأخيرة.
الهجع الأخير
تصل البطلة إلى ذروة الحركة، ثم تبدأ النهاية.
تتمايل وهي تمسك الخنجرين، وتؤدي بحركات رشيقة متتابعة ما يوحي بأنها تضرب بطنها، ثم تهبط إلى الأرض، فتستند برأسها من جهة وقدماها من الجهة الأخرى، ويظل بطنها إلى الأعلى.
ثم تبدأ بحركات متتابعة بالخنجرين على بطنها، بطريقة تمثيلية تجعل المشاهد يشعر وكأنها تطعن نفسها حتى الموت.
وهنا تنقلب دلالة الرقصة كلها.
فالمرأة التي كانت قبل لحظات في قمة الحيوية والحركة والقوة، أصبحت على الأرض.
والإنسان الذي كان يركض في الجهات الأربع، ويحارب ويحب ويجمع المال ويبني النفوذ ويحقق الإنجازات، انتهى إلى السكون.
الحياة بكل صخبها انتهت إلى الهچع.
ولهذا يمكن أن نفهم التسمية على مستوى رمزي عميق:
«الهَچَع ليس بداية الرقصة، وإنما هو مصيرها.»
من الحصاد إلى الموت
ويرتبط هذا المعنى، وفق الموروث الشعبي الذي حفظته الذاكرة العراقية، بموسم الحصاد.
والحصاد لحظة شديدة الرمزية في حياة الإنسان الزراعي؛ ففيه يرى ثمرة عمله، ويجمع ما زرعه، ويحتفل بما أنجزه طوال الموسم.
لكن الإنسان الذي يحصد زرعه اليوم، هو نفسه الذي سيأتي عليه يوم لا يستطيع فيه أن يحصد شيئًا.
ومن هنا تصبح الرقصة تذكيرًا فلسفيًا:
لا تغتر بما تحصده اليوم، فلكل حصاد نهاية.
قد تجمع المال، وقد تمتلك القوة، وقد تحوز النفوذ، وقد تعيش الحب، وقد تنتصر في الحرب، وقد تبني المجد، لكن النهاية الإنسانية واحدة:
الهجع الأخير.
وهذه القراءة تجعل الخنجر والحصاد والشعر والجهات الأربع والنهاية على الأرض عناصر متصلة في لوحة واحدة، لا حركات متفرقة.
هل هي رقصة للهو أم لغة رمزية؟
هنا يجب أن نستعيد للرقصة معناها الذي ربما فقدته الذاكرة الحديثة.
فالرقص في المجتمعات القديمة لم يكن بالضرورة منفصلًا عن الطقس والاحتفال والمعتقد؛ وتوجد دراسات تناولت الرقص في بلاد الرافدين القديم وربطته بسياقات طقسية واحتفالية، كما توجد قراءات حديثة للرقص العراقي الشعبي ترى في بعض حركاته امتدادات لعناصر رافدينية قديمة.
ومن هنا لا يصح اختزال الهجع في صورة امرأة ترقص بخنجرين أمام المتفرجين.
فبحسب الموروث الذي بقي متداولًا، نحن أمام لوحة حركية فلسفية تختصر رحلة الإنسان:
«يولد، يتحرك، يحب، يعمل، يحارب، يطمع، يملك، يخسر، ينتصر، ثم يسكن. وهنا يأتي الهچع.
كيف خرجت الرقصة من سياقها القديم؟
مع التحولات الاجتماعية والدينية والثقافية التي شهدتها بلاد الرافدين والعراق عبر القرون، تغيرت أشكال كثيرة من التعبير الشعبي.
ومع انتشار الإسلام وما رافقه من تحولات في الحياة الاجتماعية والفنون العامة، لم تعد بعض أشكال الرقص النسائي القديم مقبولة في المجال العام بالطريقة نفسها، خصوصًا عندما ارتبطت بإظهار جسد المرأة أو بالأماكن التي كانت تُعد مخالفة للآداب العامة.
وهنا يمكن أن نفهم، بحذر، كيف انتقلت بعض أشكال الأداء من بيئات اجتماعية واحتفالية أوسع إلى فئات من محترفي الغناء والرقص، ومن بينهم الكاولية الذين اشتهروا تاريخيًا بإحياء المناسبات بالأغاني والرقص.
وتشير مصادر حديثة إلى أن الهچع أصبحت في الزمن المعاصر مرتبطة بصورة خاصة بمجتمعات الكاولية في العراق، بعد أن كانت الرقصة أوسع تداولًا في الذاكرة الشعبية.
لكن انتقال الرقصة إلى فئة معينة لا يعني أن تلك الفئة هي التي اخترعتها.
فالناقل ليس بالضرورة هو صاحب الأصل.
وكما تنتقل الأغنية من جيل إلى جيل، يمكن أن تنتقل الرقصة من مجتمع إلى آخر، ويبقى أصلها أقدم من آخر من حافظ عليها.
من التعبير إلى الاستغلال
وهنا حدث التحول الأكثر إيلامًا.
عندما تُنتزع الرقصة من سياقها الرمزي، يمكن أن تتحول من لغة للتعبير عن الإنسان ومصيره إلى مجرد عرض للفرجة.
وتصبح المرأة التي كانت في اللوحة القديمة تجسد الإنسان والحياة والموت، جسدًا يُعرض للحصول على المال.
وبذلك يُختزل معنى الرقصة.
من: الحياة والصراع والحصاد والموت والهچع
إلى: الغناء والرقص والفرجة.
ومن هنا فإن الدفاع عن رقصة الهجع لا يعني الدفاع عن كل صورة معاصرة قُدمت بها، وإنما يعني استعادة معناها الثقافي والتاريخي من التشويه والاختزال.
فالرقصة، في قراءتها الموروثية، لا تحتاج إلى الخمر والمجون لكي تكون فنًا، ولا تحتاج إلى استعراض جسد المرأة لكي تكون جميلة.
إن جمالها الحقيقي يكمن في الرمز والحركة والإيقاع والفكرة.
الهچع... ذاكرة حضارة
قد لا تكون لدينا اليوم ألواح مسمارية تقول لنا: «هذه هي رقصة الهجع»، ولا مخطوطة قديمة تشرح لنا كل حركة من حركاتها.
وهذا أمر طبيعي إلى حد كبير؛ فالحياة اليومية للناس، ولا سيما مشاعرهم واحتفالاتهم ورقصاتهم، أقل بقاءً في الوثائق من الملوك والحروب والمعاهدات.
ثم إن العراق فقد خلال العقود الماضية جزءًا مؤلمًا من تراثه المادي بسبب الحروب والنهب والتدمير.
لكن الحضارة لا تسكن في الحجر وحده.
قد يسقط اللوح ويبقى اللحن.
وقد يضيع النقش وتبقى الحركة.
وقد تنكسر الآلة ويبقى الإيقاع.
وقد يضيع اسم الطقس ويبقى معناه في جسد الراقصة.
وهنا تكمن قيمة الذاكرة الشعبية.
إن الموروث الشفهي ليس دليلًا أثريًا قائمًا بذاته، لكنه شاهد ثقافي يستحق أن يُوثق ويُدرس ويُقارن بما وصلنا من الأدلة الرافدينية.
ولهذا فإن القول بأن الهجع ذات جذور رافدينية يجب أن يبقى، في البحث العلمي، فرضية تاريخية قوية تحتاج إلى مزيد من المقارنة والأدلة، لا حقيقة أثرية محسومة.
لكن حتى قبل اكتمال البرهان الأثري، تبقى الرقصة جديرة بالدرس؛ لأن بنيتها الرمزية كما يحفظها الموروث العراقي تحمل تصورًا بالغ العمق للإنسان.
ليست رقصة مجون... بل رقصة مصير
ربما يكون أكبر ظلم تعرضت له الهجع هو أن تُرى من خلال صورتها الأخيرة فقط، وأن تُفصل عن معناها.
فمن يراها مجرد امرأة تحمل خنجرين وترقص، يرى الجسد ولا يرى الرسالة.
أما من يقرأها من داخل الموروث، فيرى شيئًا آخر:
يرى الإنسان وهو يركض خلف الحياة.
يرى الشعر وهو يتطاير في الجهات الأربع.
يرى الخنجر وهو يرمز إلى صراعات البشر.
يرى الحصاد وهو يذكر الإنسان بما جمع.
ثم يرى الجسد يسقط إلى الأرض.
ويهدأ الإيقاع.
وتنتهي الحركة.
الهجع.
وكأن الحضارة القديمة، عبر ذاكرة لم تكتبها الأقلام وإنما حفظتها الأجساد، تقول للإنسان:
«لا تغرّنك الحياة بما تمنحك اليوم؛ فكل حركة لها سكون، وكل حصاد له نهاية، وكل إنسان مهما علا شأنه، فمصيره الهجع الأخير.»
وهكذا تستعيد رقصة الهجع مكانتها بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية العراقية التي تستحق التوثيق والدراسة، لا بوصفها رقصة من صالات اللهو والمجون.
إنها، في جوهرها الرمزي، رقصة الحياة التي تنتهي بالموت، ورقصة الإنسان الذي مهما امتد به الطريق، لا بد أن يصل إلى الهجع الأخير.
عماد آل شهزي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الامثال الشعبية العراقية / عماد آل شهزي

ديوان شعر شعبي عراقي (رصاصات قلم ) عماد آل شهزي الطائي

ديوان شعر شعبي عراقي (دارمي ابوذية عتابة ) عماد آل شهزي الطائي