#العسل_والعتمة: متى يصبح الصمت حكمة؟

 


#العسل_والعتمة
: متى يصبح الصمت حكمة؟

إذا خاطبتَ يومًا من هوى في عتمةٍ وغباءِ
فألجمْ لسانَكَ واستعنْ بالسمعةِ الغرّاءِ
وجَدِّدْ بريقَ علومِكَ بالصمتِ والإصغاءِ
ودَعِ السكوتَ بلاغةً وأعرِضْ عن البُلهاءِ
ليس كلُّ صمتٍ عجزًا، كما أن ليس كلُّ كلامٍ حكمة. فقد يكون الكلام في موضعه علمًا ونورًا، وقد يتحول في موضع آخر إلى عبءٍ على صاحبه، مهما كان الكلام جميلًا وصادقًا.
هناك فرق بين إنسانٍ يجهل شيئًا لكنه يريد أن يعرف، وإنسانٍ جعل من جهله حصنًا، ومن هواه ميزانًا، ومن رفض الحقيقة موقفًا لا يريد التراجع عنه. الأول يستحق أن تحاوره؛ لأن في داخله نافذةً يمكن أن يدخل منها النور. أما الثاني فقد لا يكون الحوار معه بحثًا عن الحقيقة، بل معركةً لإثبات ما قرره مسبقًا.
وهنا تأتي حكمة الصمت.
فالحكيم لا يدخل كل معركة، ولا يشرح نفسه لكل أحد، ولا يبدد علمه في جدالٍ لا ينتج معرفة. إنه يعرف أن قيمة الكلمة ليست في كثرتها، وإنما في موضعها، وأن بعض الكلمات إذا قيلت لمن لا يريد سماعها فقدت أثرها، بل ربما انقلبت على صاحبها.
ولذلك كان إلجام اللسان في البيت الأول ليس دعوةً إلى الجبن أو الانسحاب، وإنما دعوة إلى ضبط النفس. فالعاقل لا يجعل غضبه يقوده إلى الكلام، ولا يسمح لخصمه أن يجره إلى مستوى الحوار الذي لا يليق به.
أما «السمعة الغرّاء» فليست المقصود بها التفاخر، وإنما يمكن أن تُفهم بوصفها رصيد الإنسان الذي بناه عبر علمه وأخلاقه وسيرته. فالذي أمضى عمره في طلب المعرفة لا يحتاج إلى أن يثبت علمه في كل مجلس، لأن سيرته تشهد له أكثر مما يشهد كلامه.
ثم تأتي عبارة:
«وجَدِّدْ بريقَ علومِكَ بالصمتِ والإصغاءِ»
وهذه ربما تكون أعمق فكرة في النص كله.
فالإنسان لا يجدد علمه بالكلام وحده، وإنما بالصمت أيضًا. الصمت يتيح للعقل أن يراجع نفسه، والإصغاء يفتح له أبوابًا قد لا يفتحها الكلام. ومن يتكلم دائمًا لا يترك لنفسه فرصةً كافية لكي يسمع الآخرين، وربما لا يسمع نفسه أيضًا.
العلم الذي لا يصاحبه إصغاء قد يتحول إلى غرور، والكلام الذي لا يسبقه تفكير قد يتحول إلى ضجيج.
ولهذا فإن الصمت عند الحكيم ليس فراغًا؛ إنه مساحة يعمل فيها العقل.
وقد يكون أعظم أنواع البلاغة أن تعرف متى لا تتكلم.
فالكلام وسيلة لإيصال المعنى، أما الصمت فقد يكون هو المعنى نفسه. أحيانًا يكون الرد الطويل إضعافًا للموقف، بينما يكون الصمت جملةً لا تحتاج إلى شرح. وأحيانًا يكون الإعراض عن الجدل أكثر قوة من ألف حجة، لأن بعض الجدالات لا تنتهي بانتصار الحقيقة، وإنما باستنزاف أصحابها.
ومن هنا نفهم خاتمة الأبيات:
«ودَعِ السكوتَ بلاغةً وأعرِضْ عن البُلهاءِ»
فليست الحكمة أن تنتصر في كل نقاش، وإنما أن تعرف أي نقاش يستحق أن تخوضه.
ليس كل من رفع صوته طالبًا للحقيقة، وليس كل من جادلك طالبًا للبرهان. بعض الناس لا يريدون الحقيقة، وإنما يريدون أن تنتصر فكرتهم، ولو كانت مخالفةً للمنطق والعقل.
وفي مثل هذه الحالات يصبح استمرار الحوار نوعًا من إهدار الطاقة الفكرية.
إن الحكيم لا يخاف من الصمت، لأنه يعرف قيمة ما في داخله. ولا يحتاج إلى أن يثبت ذكاءه في كل مناسبة، ولا علمه في كل مجلس، ولا صواب موقفه أمام كل إنسان.
فقد يكون الصمت حفظًا للهيبة، والإصغاء حفظًا للعلم، والإعراض حفظًا للعقل.
ولعل السؤال الأعمق هنا ليس: متى نتكلم؟ وإنما:
متى يكون الكلام عسلًا، ومتى يتحول هذا العسل نفسه إلى سم؟
والجواب: عندما نضع الكلمة الطيبة في موضعٍ لا يريد استقبالها، ونحوّل الحكمة إلى جدال، والعلم إلى خصومة، والنصيحة إلى معركة.
عندها لا يكون الصمت هروبًا من الحقيقة، بل حمايةً لها.
فليس كل فمٍ ينبغي أن يتكلم، وليس كل أذنٍ قادرةً على الإصغاء، وليس كل عقلٍ مستعدًا لاستقبال النور.
ومن الحكمة أن يعرف الإنسان أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، لأنها اختارت أن تبقى مغلقة.
وعندما يصل الحكيم إلى هذه الحقيقة، فإنه لا يخسر حين يصمت؛ بل يربح شيئًا أثمن من الانتصار في الجدال:
يربح نفسه، ويحفظ علمه، ويترك للعتمة أهلها، وللنور من يبحث عنه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الامثال الشعبية العراقية / عماد آل شهزي

ديوان شعر شعبي عراقي (رصاصات قلم ) عماد آل شهزي الطائي

ديوان شعر شعبي عراقي (دارمي ابوذية عتابة ) عماد آل شهزي الطائي